تشهد دولة قطر نمواً غير مسبوق في قطاعي التكنولوجيا المالية (Fintech) والتجارة الإلكترونية، في إطار تسارع جهود التحول الرقمي تماشياً مع رؤية قطر الوطنية 2030. ويأتي هذا النمو مدفوعاً بمبادرات حكومية وإصلاحات تنظيمية، إلى جانب تزايد الطلب من قبل المستهلكين، مما يجعل قطر تبرز كمركز إقليمي في مجالي التمويل الرقمي والتسوق الإلكتروني.
ووفقاً لبيانات وزارة التجارة والصناعة، بلغ حجم سوق التجارة الإلكترونية في قطر 7.8 مليار ريال قطري في عام 2024، مسجلاً نمواً بنسبة 22 بالمئة مقارنة بالعام السابق. وفي الوقت نفسه، استقطب قطاع التكنولوجيا المالية استثمارات تجاوزت 1.3 مليار ريال، مع تسجيل أكثر من 50 شركة ناشئة تحت مظلة مركز قطر للتكنولوجيا المالية (QFTH).
وفي هذا السياق، قالت الخبيرة في التكنولوجيا المالية فاطمة السليطي إن “قطر وفرت بيئة خصبة للابتكار في هذا القطاع”، مشيرة إلى أن إنشاء منصات تنظيمية تجريبية (Regulatory Sandboxes) وعقد شراكات مع شركات دولية قد أسهما في نمو حلول الدفع عبر الهاتف المحمول ومنصات الإقراض المباشر والخدمات المصرفية الرقمية خلال العامين الماضيين.
وتلعب الفئة الشابة المتمرسة في استخدام التكنولوجيا دوراً بارزاً في هذا التحول. ووفقاً لتقرير صادر عن شركة PwC الشرق الأوسط، فإن أكثر من 80 بالمئة من المستهلكين في قطر قاموا بعملية شراء إلكترونية واحدة على الأقل خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وكانت غالبية هذه المعاملات تتم عبر الهواتف المحمولة.
وفي هذا السياق، قال خالد محمود، المؤسس المشارك لإحدى المنصات الإلكترونية المحلية، إن “التجارة الإلكترونية لم تعد مجرد وسيلة مريحة، بل أصبحت ضرورة”. وأضاف أن الجائحة غيّرت عادات المستهلكين بشكل جذري، ما دفع المنصة إلى التوسع لتشمل توصيل البقالة والمنتجات الصحية وحتى السلع الرقمية مثل تذاكر الفعاليات الافتراضية والرموز غير القابلة للاستبدال (NFTs).
وتسعى المصارف ومزودو خدمات الاتصالات أيضاً إلى مواكبة هذا التحول من خلال إطلاق محافظ إلكترونية ومساعدات مالية ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، تتيح للمستخدمين دفع الفواتير وتحويل الأموال والتسوق الإلكتروني بأمان.
ويرى الخبراء أن هذا التحول الرقمي السريع جعل النظام المالي أكثر شمولاً، حيث أصبح بإمكان الشركات الصغيرة الحصول على التمويل بسرعة من خلال تطبيقات التكنولوجيا المالية. وأشار محمود إلى أن “دمقرطة التمويل تمثل تحولاً نوعياً، خاصة بالنسبة لرواد الأعمال الشباب والمشروعات الصغيرة والمتوسطة”.
ومع ذلك، تبقى هناك تحديات قائمة، أبرزها الأمن السيبراني، ومستوى الثقافة الرقمية، وتوحيد الأطر التنظيمية على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي. وأكد محمود أن “الجهات التنظيمية مطالبة بتحقيق توازن بين الابتكار وإدارة المخاطر”، مضيفاً أن “اتجاه النمو واضح – لم تعد قطر مستهلكاً فقط لحلول التكنولوجيا المالية والتجارة الإلكترونية، بل أصبحت أيضاً منتجاً لها”.
ومع استمرار هذا الزخم، يتوقع قادة الصناعة أن يتضاعف حجم الاقتصاد الرقمي القطري بحلول عام 2030، ما سيفتح آفاقاً جديدة للاستثمار والتوظيف والتعاون الإقليمي. واختتم محمود بالقول: “الأفضل لم يأتِ بعد. قطر بدأت الآن فقط في كتابة فصلها الرقمي”.





